حبيب الله الهاشمي الخوئي
203
منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة
المقامات والأحوال ، فلا يزال ينتقل من صورة إلى صورة ومن خلق إلى خلق ومن عقيدة إلى عقيدة ومن حال إلى حال ومن مقام إلى مقام ومن كمال إلى كمال حتّى يتّصل بالعالم العقلي والمقرّبين ويلحق الملأ الأعلى والسابقين ان ساعده التّوفيق وكان من الكاملين ، أو بأصحاب اليمين إن كان من المتوسّطين أو يحشر مع الشياطين وأصحاب الشّمال إن ولاه الشيطان وقارنه الخذلان في المال ، وهذا معنى الصّراط والمستقيم منه إذا سلكه سالكه وصله إلى الجنّة وهو ما يشتمل عليه الشّرع كما قال اللَّه عزّ وجلّ * ( وكَذلِكَ أَوْحَيْنا إِلَيْكَ رُوحاً مِنْ أَمْرِنا ما ) * وهو صراط التّوحيد والمعرفة والتّوسط بين الأضداد في الأخلاق والتزام صوالح الأعمال ، وبالجملة صورة الهدى الَّذي أنشأه المؤمن لنفسه ما دام في دار الدّنيا مقتديا فيه بهدى إمامه وهو أدقّ من الشّعر وأحدّ من السّيف في المعنى مظلم لا يهتدى إلَّا من جعل اللَّه له نورا كما يمشى به في الناس يسعى عليها على قدر أنوارهم ، انتهى . فان قلت : إنّ العارف إذا أحيا عقله وأمات نفسه فيكون واقعا قصد على الطريق وسالكا للسّبيل البتّة فما معنى قوله عليه السّلام : فأبان له الطريق آه ، فانّ ظاهره بمقتضى إفادة الفاء للتّرتيب كون وضوحها وظهورها وسلوكها مترتّبا على الاحياء والإماتة . قلت : وإن كان المكمّل لعقله والمجاهد لنفسه سالكا سبيل الحقّ ، لكن في سلوك هذا السبيل احتمال خلجان الشكّ وطريان القواطع عن سلوكه بعروض الوساوس الشيطانيّة كما قال اللَّه تعالى حكاية عنه * ( قالَ فَبِما أَغْوَيْتَنِي لأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِراطَكَ الْمُسْتَقِيمَ . ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ ومِنْ خَلْفِهِمْ وعَنْ أَيْمانِهِمْ وعَنْ شَمائِلِهِمْ ولا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شاكِرِينَ ) * وأمّا بعد ما أكمل عقله بعلم اليقين وأمات نفسه واستنار قلبه بأنوار العلم والمعارف وتجلَّى عليه اللَّوامع الغيبيّة والألطاف الالهيّة وبلغ في الكمال إلى مرتبة عين اليقين فانّه يشاهد حينئذ بعين بصيرته الصراط المستقيم الَّذى هو سبيل مقيم ، ويكون مشيه وسلوكه فيه بذلك النّور الَّذي تجلَّى له كما قال تعالى * ( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا الله وآمِنُوا ) *